الشوكاني

144

نيل الأوطار

ذلك ما أحب فجعل لكل واحد من للأبوين السدس . وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون ، وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه . وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله : ما حق الخ للحزم والاحتياط ، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية . وقيل : الحق لغة الشئ الثابت ، ويطلق شرعا على ما ينبت به الحكم وهو أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا ، وقد يطلق على المباح قليلا ، قاله القرطبي . وأيضا تفويض الامر إلى إرادة الموصي يدل على عدم الوجوب ، ولكنه يبقى الاشكال في الرواية المتقدمة بلفظ : لا يحل لامرئ مسلم وقد قيل : إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، وقد اختلف القائلون بالوجوب فقال أكثرهم : تجب الوصية في الجملة ، وقال طاوس وقتادة وجابر بن زيد في آخرين : تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة . وقال أبو ثور : وجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالوديعة والدين ونحوهما ، قال : ويدل على ذلك تقييده بقوله : له شئ يريد أن يوصي فيه . قال في الفتح : وحاصله يرجع إلى قول الجمهور أن الوصية غير واجبة بعينها وإنما الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير ، سواء كانت بتنجيز أو وصية ، ومحل وجوب الوصية إنما هو إذا كان عاجزا عن تنجيزه ولم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته ، فأما إذا كان قادرا أو علم بها غيره فلا وجوب ، قال : وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة ، وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الاجر ، ومكروهة في عكسه ، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه ، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس : الاضرار في الوصية من الكبائر رواه سعيد بن منصور موقوفا بإسناد صحيح ، ورواه النسائي مرفوعا ورجاله ثقات . وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في البخاري وغيره عن عائشة : أنها أنكرت أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى وقالت : متى أوصى وقد مات بين سحري ونحري ؟ وكذلك ما ثبت أيضا في البخاري عن ابن أبي أوفى أنه قال : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوص . وأخرج أحمد وابن ماجة قال الحافظ بسند قوي عن ابن عباس في أثناء حديث فيه أمر النبي